ابن رشد
155
تهافت التهافت
لزم عنده أن يكون الفعل الصادر عن فاعل العالم حادثا قال العالم حادث عن فاعل قديم ، ومن كان فعل القديم عنده قديما قال العالم حادث عن فاعل لم يزل قديما ، وفعله قديم أي لا أول له ولا آخر لا أنه موجود قديم بذاته كما تخيل لمن يصفه بالقدم . قال أبو حامد مجيبا عن الفلاسفة : فإن قيل : نحن إذا قلنا للعالم صانع لم نعن به فاعلا مختارا يفعل بعد أن لم يفعل كما نشاهد في أصناف الفاعلين من الخياط والنساج والبناء بل نعني به علة العالم ونسميه المبدأ الأول على معنى أنه لا علة لوجوده يقوم عليه البرهان القاطع على قرب فإنا نقول العالم وموجوداته أما أن يكون له علة أو لا علة له فإن كان له علة فتلك العلة لها علة أم لا علة لها وكذلك نقول في علة العلة فأما أن يتسلسل إلى غير نهاية وهو محال وأما أن ينتهي إلى طرف فالأخير علة أولى لا علة لوجودها فنسميه المبدأ الأول وإن كان العالم موجودا بنفسه لا علة له فقد ظهر المبدأ الأول فإنا لم نعن به إلا موجودا لا علة له وهو ثابت بالضرورة . نعم لا يجوز أن يكون المبدأ الأول هي السماوات لأنها عدد ودليل التوحيد يمنعه فيظهر بطلانه بالنظر في صفة المبدأ ولا يجوز أن يقال أنه سماء واحد أو جسم واحد أو شمس أو غيره لأنه جسم والجسم مركب من هيولى وصورة والمبدأ الأول لا يجوز أن يكون مركبا وذلك يعرف بنظر ثان والمقصود أن موجودا لا علة لوجوده ثابت بالضرورة والاتفاق وإنما الخلاف في الصفات وهو الذي نعنيه بالمبدأ الأول . قلت : هذا كلام مقنع غير صحيح ، فإن اسم العلة يقال باشتراك الاسم على العلل الأربعة ؛ أعني الفاعل ، والصورة ، والهيولى ، والغاية ، ولذلك لو كان هذا جواب الفلاسفة لكان جوابا مختلا فإنهم كانوا يسألون عن أي علة أرادوا بقولهم : إن العالم له علة أولى ، فلو قالوا أردنا بذلك السبب الفاعل الذي فعله لم يزل ولا يزال ، ومفعوله هو فعله ، لكان جوابا صحيحا على مذهبهم على ما قلناه ، غير معترض عليه ، ولو قالوا أردنا به السبب المادي لكان قوله معترضا ، وكذلك لو قالوا أردنا به السبب المادي لكان قوله معترضا ، وكذلك لو قالوا أردنا به السبب الصوري لكان أيضا معترضا إن فرضوا صورة العالم قائمة به ، وإن قالوا أردنا صورة مفارقة للمادة جرى قولهم على مذهبهم ، وإن قالوا صورة هيولانية لم يكن المبدأ عندهم شيئا غير جسم من الأجسام ، وهذا لا يقولون به ، وكذلك إن قالوا هو سبب على طريق الغاية كان جاريا أيضا على أصولهم ، وإذا كان هذا الكلام فيه من الاحتمال ما يرى فكيف يصح أن يجعل جوابا للفلاسفة . وقوله : ونسميه المبدأ الأول على معنى أنه لا علة لوجوده وهو علة لوجود غيره . .